حان الوقت

16-11-2021 09:56 AM

الثقة نيوز - عامر طهبوب
راق لي أن أستمع أكثر من مرة لخطاب العرش السامي في افتتاح الدورة العادية الأولى لمجلس الأمة التاسع عشر يوم أمس. راقت لي حكمة الملك، ورؤيته، وراقت لي مفردات مختارة بعناية. مقصودة. واضحة لا تحتمل اللبس، أو سوء الفهم، أو التأويل. الخطاب قدر ما قلّ دلّ. بليغ. شفيف. حازم. صادق. مباشر. سلس. عقلاني. وجداني، ينمُّ عن معرفة عميقة لما نحن عليه، وإدراك لما يجب علينا أن نكونه.

أولاً: إن أي تحديث أو تغيير في أي منظومة سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو إدارية، يجب أن تنتهج مسارات متدرجة مدروسة، تضع الوطن ومصالحه العليا فوق كل اعتبار. قلت في مقالة نشرت في الثامن والعشرين من أيار عام 1998، إننا يجب أن نتحول إلى ممارسة الديمقراطية بشكل متدرج ومدروس، ومبني على أسس دستورية، وبشكل يضمن تحقيق تراكم إيجابي، دون أن تتعرض المسيرة لنكسات تهدم ما تم إنجازه، أو أن تتقزم الحياة الديمقراطية من جديد، ويعود الصراع إلى النقطة التي بدأ منها، وأشرت في تلك المقالة إلى عدم نضج العمل الحزبي الذي يمكن أن يشكل ما ذكره الملك في خطاب العرش السامي: «برلمانات المستقبل». أشار جلالته حفظه الله بوضوح إلى أن التجارب من حولنا أثبتت أن الانتقال ضمن برامج واضحة، هو الطريق الآمن لتحقيق التحديث المطلوب حفاظاً على المكتسبات، وحماية للاستقرار. أكد الملك هنا بالنص الحرفي: «ونحن عازمون على السير في هذا الاتجاه بمسؤولية، ودون تردد، أو تأخير، لتعزيز مصادر قوة الدولة، مجتمعاً ومؤسسات».

ثانياً: التحديث السياسي قرار لا رجعة فيه. غير قابل للتأخير، ولا التردد، ولا التشكيك، ولا الإعاقة. الكلام واضح: «ضمانات للعمل الحزبي الذي لن نسمح بإعاقته أو التدخل فيه من أي جهة كانت».

ثالثاً: التحديث السياسي هو أحد مسارات التحديث والإصلاح. التحديث السياسي يأتي «ضمن إطار أشمل لتحديث اقتصادي وإداري تعمل الحكومة على إنجازه». إنه محطة من محطات عديدة: «ونحن أمام محطة جديدة في مسيرة التحديث لتحقيق المستقبل الذي يستحقه شعبنا الكريم، ووطننا العزيز». محطة في سلسلة محطات قادمة، وعلى مسارات متعددة.

رابعاً: الدولة دولة قانون ومؤسسات، يحميها دستور، والجميع أمام القانون سواء: «التأكيد على ضمان سيادة القانون على الجميع دون تمييز أو محاباة». مؤسسات الدولة السيادية والدينية والتعليمية والرقابية يجب أن لا تطالها تجاذبات حزبية، لتبقى درعاً للوطن دون تسييس أو تحزُّب.

خامساً: قوة الأردن تكمن في أمنه واستقراره. لا يُقبل العبث أو المساس بمنجزات الدولة، والتقليل من قيمة قصة البناء، وحكاية الكفاح، والانتقاص من المنجزات، حيث يعد الملك ذلك، كما يعدّه كل أرني غيور على وطنه «إساءة بالغة لا يقبلها أحد». وفي ذلك يكمن الإنصاف في النظر إلى مجمل أوضاع الوطن. منجزات عظيمة علينا تعظيمها والحفاظ عليها، ومسارات تحتاج إلى تصويب أو تحديث أو تطوير.

سادساً: لا وقت للانتظار. انتهى. مائة عام من عمر الدولة تقتضي العمل على الارتقاء فوراً «بوطننا إلى مراتب متقدمة تجعل كل الأردنيين يزدادون فخراً بانتمائهم إلى هذا الوطن العظيم». قال الملك ذلك مخاطباً الأعيان والنواب: «يا أعيان الأمة ونوابها: حان الوقت للارتقاء بوطننا».

سابعاً: إن أي تحديث أو تطوير في أي مسار من المسارات، يجب أن يتم بالتوافق بين مختلف الأطراف: «قرارات توافقية أساسها المصلحة الوطنية». تلك رؤية ثاقبة. ليس أمام أبناء هذا الوطن من سبيل للنهضة والتقدم إلا بالتوافق، ومصلحة الوطن العليا هي الهدف الأسمى والأكبر والأولى والأول.

ثامناً: التأكيد على ضرورة ترسيخ العلاقة بشراكة فاعلة بين القطاعين العام والخاص. استثمارات توفر فرص عمل. تحفز النمو. الاستفادة من القطاعات الواعدة، ومن الطاقات البشرية. ولذلك فقد شدد الملك في رؤيته للمستقبل على تمكين الشباب والمرأة من المشاركة الفاعلة في صناعة القرار وعملية التنمية. بهدف الوصول «إلى بيئة حاضنة للحياة الحزبية لتشمل برلمانات المستقبل بحيث يكون للشباب والمرأة، دور بارز فيها». برلمان المستقبل قائم على الأحزاب السياسية التي تنشط في بيئة حاضنة لا طاردة. لا للتشكيك في المسار. الصور النمطية السلبية السائدة عن الأحزاب، انتهت الآن. الأحزاب وطنية. سقفها الدستور. مظلتها القبة. هدفها مصلحة الوطن. المرأة يجب أن تكون حاضرة بفعالية، وكذلك الشباب. يعني دماء جديدة، شابة، فتية، متعلمة ومتمكنة، وقادرة على تحقيق النهضة.

تاسعاً: القدس تعيش في ضمير الهاشميين ووجدانهم منذ مئات السنين. الملك هو الوصي الشرعي والوحيد على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. لا للمزاودة، لا من قريب ولا من بعيد على وقوف الأردن وتضحيات أبنائه في فلسطين. الأردن سيبقى إلى جانب أشقائه حتى ينالوا حقوقهم، ويقيموا دولته على أرضهم، ويقرروا مصيرهم بأنفسهم.

عاشراً: الأردن بلد أحرار. لا يقبل الإملاءات. لا يسمح بالتدخل في شؤونه. قراره الوطني مستقل. الأردن عصي، وسيظل عصياً، وسيواصل العمل، ومواجهة التحديات بقوة واقتدار. عاش الملك.




التعليقات حالياً متوقفة من الموقع